حيدر حب الله

22

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

قلنا وما نزال بأنّ الدرس التاريخي للنظريّات والعلوم هو مفتاح حلّ الكثير من التصحيح للصور النمطيّة التي نتلقّاها بسهولة وعفويّة عمّن سبقنا ، دون دراسات تحليلية جادّة فيها وفي ملابساتها وظروف تكوّنها وتبلورها . بل الدرس التاريخي أثبت وما يزال أنّ الكثير من الأفكار كانت موجودة في القرون الأولى ، ولكنّها هُجرت بعد ذلك ، حتى أنّه لم يعد يتطرّق إليها اللاحقون استهانةً منهم بها أو بأصحابها ، فالنصوص المبعثرة تكشف عن معلومات مثيرة عن أنّ ما نعتبره اليوم أحياناً أمراً منتهياً على المستوى البحثي ، كان في تلك الفترة يحظى بأكثر من وجهة نظر ، وأنّه كانت فيه وجهات نظر أخرى انتصر لها قلّة من العلماء ، ممّن طُمر اسمه غالباً فيما بعد ولم يهتمّ له ؛ لأنّه كان مخالفاً للمشهور أو لمن يملك النفوذ داخل الفرق والمذاهب أو على المستوى السلطويّ . هذا كلّه ، لو غضضنا الطرف عن أنّ إثبات تحقّق الإجماع المذهبي أو الإسلامي على أمرٍ كلامي أو فقهي ليس شيئاً سهلًا أبداً ، والتعابير والتوصيفات التي يستخدمها بعض الناس في ادّعاء الإجماعات وتوزيعها يميناً وشمالًا . . لا قيمة لها في حدّ نفسها غالباً ، بل إنّ إثبات انعقاد الإجماع في مسألة فقهيّة أو كلاميّة يحتاج للكثير من التتبّع والنظر في الوثائق التاريخيّة وفي نصوص التراث ، لا التساهل في هذا الموضوع . فكم من أمر ادُّعي فيه الإجماع واكتشف انعقاد الشهرة على خلاف دعوى الإجماع ، ممّا حيّر كثيرين ، وقد عمل الشيخ مرتضى الأنصاري ( 1281 ه - ) وغيره على تقديم تبريرات وتأويلات لهذه الظواهر الغريبة الموجودة في التراث الفكري الديني ، وذلك عند بحثه حول الإجماع في كتاب فرائد الأصول المعروف بكتاب الرسائل ، ومن هنا فحتّى لو قال شخص بحجية الإجماع المحصّل إلا أنّ حجية